العيني
80
عمدة القاري
وسفيان هو الثوري . والحديث مضى في كتاب الحج في : باب لا يحل القتال بمكة ، فإنه أخرجه هناك بأتم منه : عن عثمان بن أبي شيبة عن جرير عن منصور . . . إلى آخره ، ومضى الكلام فيه هناك ، ولنتكلم أيضاً بعض شيء . فقوله : ( لا هجرة ) ، يعني : من مكة ، وأما الهجرة عن المواضع التي لا يتأتى فيها أمر الدين فهي واجبة اتفاقاً ، وقال الخطابي : كانت الهجرة على معنيين : أحدهما : أنَّهُم إذا أسلموا وأقاموا بين قومهم أو ذوا ، فأمروا بالهجرة إلى دار الإسلام ليسلم لهم دينهم ويزول الأذى عنهم ، والآخر : الهجرة من مكة ، لأن أهل الدين بالمدينة كانوا قليلاً ضعيفين ، وكان الواجب على من أسلم أن يهاجروا إلى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، لكن إن حدث حادث استعان بهم في ذلك ، فلما فتحت مكة استغنى عن ذلك ، إذ كان معظم الخوف من أهلها ، فأمر المسلمون أن يقيموا في أوطانهم ويكونوا على نية الجهاد ، مستعدين ، لأن ينفروا إذا استنفروا . وقال الطيبي : كلمة : لكن ، تقتضي مخالفة ما بعدها لما قبلها ، أي : أن المفارقة عن الأوطان المسماة بالهجرة المطلقة انقطعت ، لكن المفارقة بسبب الجهاد باقية مدى الدهر ، وكذا المفارقة بسبب نية خالصة لله ، عز وجل . كطلب العلم والفرار لدينه . انتهى . وذكر غير واحد من العلماء أن أنواع الهجرة خمسة أقسام : الأول : الهجرة إلى أرض الحبشة . الثاني : الهجرة من مكة إلى المدينة . الثالث : هجرة القبائل إلى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم . الرابع : هجرة من أسلم من أهل مكة . الخامس : هجرة ما نهى الله عنه ، وبقي من الهجرة ثلاثة أنواع أخر ، وهي : الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة ، وهجرة من كان مقيماً ببلاد الكفر ولا يقدر على إظهار الدين ، فتجب عليه الهجرة ، والهجرة إلى الشام في آخر الزمان عند ظهور الفتن ، على ما رواه أحمد في ( مسنده ) من رواية شهر قال : سمعت عبد الله بن عمر ، سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول : ( لتكونن هجرة بعد هجرة إلى مهاجر أبيكم إبراهيم ، عليه الصلاة والسلام . . . ) الحديث . ولما روى الترمذي حديث ابن عباس هذا قال : وفي الباب عن أبي سعيد ، وعبد الله بن عمرو ، وعبد الله بن حبشي . أما حديث أبي سعيد فأخرجه أحمد في ( مسنده ) من رواية أبي البختري الطائي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم أنه قال : لما نزلت هذه الآية : * ( إذا جاء نصر الله والفتح ) * ( الفتح : 1 ) . قرأها رسول الله ، صلى الله عليه وسلم حتى ختمها . ( وقال : الناس حيز ، وأنا وأصحابي حيز . وقال : لا هجرة بعد الفتح ، ولكن جهاد ونية ) . قلت : الحيز ، بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف المكسورة ، وفي آخره زاي ، والمعنى : الناس في ناحية وأنا وأصحابي في ناحية . وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه البخاري على ما سيأتي إن شاء الله تعالى . وأخرجه أبو داود والنسائي . وأما حديث عبد الله بن حبشي فأخرجه أبو داود والنسائي من رواية عبيد بن عمير عن عبد الله بن حبشي الخثعمي : أن النبي ، صلى الله عليه وسلم سئل : أي الأعمال أفضل ؟ قال : ( طول القنوت ) ، قيل : فأي صدقة أفضل ؟ قال : ( جهد المقل ) قيل : فأي الهجرة أفضل ؟ ) قال : ( من هجر ما حرم الله عليه . . . ) الحديث . قلت : وفي الباب عن جماعة آخرين ، وهم : عبد الرحمن بن عوف ، ومعاوية بن أبي سفيان ، وفضالة بن عبيد ، وزيد ابن ثابت ، ورافع بن خديج ، ومجاشع بن مسعود ، وغزية بنت الحارث وقيل : الحارث بن غزية وعبد الله بن وقدان السعدي ، وجنادة بن أبي أمية ، وعبد الله بن عمر ، وجابر بن عبد الله ، وثوبان ، ومحمد بن حبيب النصري ، وفديك ، وواثلة بن الأسقع ، وصفوان بن أمية ، ويعلى بن مرة ، وعمر بن الخطاب ، وأبو هريرة ، وابن مسعود ، وأبو مالك الأشعري ، وعائشة ، وأبو فاطمة رضي الله تعالى عنهم . أما حديث عبد الرحمن بن عوف فأخرجه أحمد والطبراني من رواية مالك بن يخامر عن ابن السعدي : أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : ( لا تنقطع الهجرة ما دام العدو يقاتل ) ، فقال معاوية وعبد الرحمن ابن عوف وعبد الله بن عمرو : إن النبي ، صلى الله عليه وسلم قال : ( الهجرة خصلتان : إحداهما تهجر السيئات ، والأخرى تهاجر إلى الله ورسوله ، ولا تنقطع الهجرة ما تقبلت التوبة ) ، ورواه البزار مقتصراً على حديث عبد الرحمن بن عوف ، ومعاوية وحده ، رواه أبو داود والنسائي بلفظ : ( لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها ) . وأما حديث فضالة بن عبيد فأخرجه ابن ماجة من رواية عمرو بن مالك عن فضالة بن عبيد عن النبي ، صلى الله عليه وسلم : ( المهاجر من هجر الخطايا والذنوب ) . وأما حديث زيد بن ثابت ورافع بن خديج فأخرجه أحمد في ( مسنده ) من رواية أبي البختري عن أبي سعيد عن النبي ، صلى الله عليه وسلم بحديث فيه : ( لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية ) . فقال له مروان : كذبت ،